• بديع منير صنيج

اشتغل المخرج جمال شقير في عرضه «ستاتيكو» على ما يُمكن تسميته «مسرحة الموت»، مُعوِّلاً على النزعة الوجودية التشاؤمية التي تضمنها نص «شادي دويعر»، والتي تُصوِّر الحياة على أنها حرب مستمرة، ومرتع للفساد الروحي والأخلاقي والاجتماعي، الخلاص منها لا يتم إلا بمواجهات مستمرة مع الذَّات أولاً، ثم مع الواقع ثانياً، فـ«حكم.. كفاح الخوص»، المُقبِل على الانتحار، يُشهِر باستمرار مسوغاته ورُدوده على أسئلة الوجود القاسية، من مثل «كل ده كان ليه؟» الأغنية التي كانت بمنزلة فاتحة شهية للخوض في كون الإنسان حر الإرادة في اختيار مسارات حياته وإنهائها متى شاء، لكن التَّردد الذي يصيب تلك الشخصية يقف حائلاً في وجه تنفيذ إرادتها، إذ تُصبح غير قادرة على حسم خياراتها، ورغم إصرارها على وضع حد للصراع الدائر في رأسها وإطلاق طلقة الرحمة على العذابات التي تُعانيها بسبب عُمق فهمها لكل ما يدور حولها، إلا أن صخب المدينة الموازي والذي تجسَّد في جاره «عازف الدرامز.. سيمون مريش» كان كفيلاً بِثَنْيِ «حكم» عن الإقدام على الانتحار، كما أن المُفارقات التي وَسَمَت معظم مراحل العرض، أثبتت أن إرادة الفرد في تحديد مصيره دائماً تلين أمام تدخُّل الآخر المُفاجئ، وغير المحسوب ضمن سيناريو الانتحار المُحكم الذي افترضته الشخصية سلساً، بأن يُسجِّل رسالته الأخيرة على شريط كاسيت شارحاً فيها أسبابه المنطقية التي قادته إلى اقتراف هذه الخطيئة/الخلاص، ومن ثم طلقة في الرأس تكون كفيلة بإسكات صوت الأفكار العالية، لكن طرق الباب من قبل «الجار.. محمد حمادة» لاستعارة بصلة، خلخلت سيناريو الموت الاختياري، كما أن تدخُّل رؤية مُخالفة للحياة فعلت الفعل نفسه بالمُخطط الافتراضي، سواء من خلال الجار نفسه الذي ارتأى تغيير ديكور الغرفة وزيادة إضاءتها وإخفاء لوحة «الغيرنيكا» وراء المكتبة، أو عبر «أمل.. نوار يوسف» فتاة الهوى التي لجأت إلى منزل «حكم» بسبب القدوم المُفاجئ لأهل الجار واضطرارها للبقاء عنده ريثما يُحضر لها صديقها فردة حذائها، بمعنى أن حجم الثِّقل الجاثم على صدر الشخصية المُقبلة على الانتحار كان يتبدَّد شيئاً فشيئاً في وجه شخصيات مُقبلة على الحياة، وسواد الأفكار لم يستطع الصمود أمام بصلة وفردة حذاء أحمر وصخب موسيقا، فرغم أسباب الموت التي يُفرد لها «حكم» عدة تسجيلات صوتية، وتضافرها مع رؤيته العدمية للواقع، إلا أن تباشير الحياة على «سُخفِها» أحياناً، فإنها تستطيع أن تُغيِّر البوصلة، فلا مانع من كأس شاي قبل الانتحار، ولا ضير في تغيير ديكور الغرفة في محاولة لتأسيس سينوغرافيا خاصة بالموت، أما التَّعارُف الطَّارئ مع «أمل» فاستطاع أن يقلِب الطاولة بما عليها، ولاسيما أن عفويتها وجنونها تغلغلا إلى قلب «حكم» فعاد يخفق من جديد للحب والحياة، لولا سماجة النِّهايات التي جعلت رصاصة تستقر فيه، بخطأ تراجيدي اقترفه «الجار»، ثم تنصَّل منه فوراً ليصبح مسرح الجريمة وكأنه حادثة انتحار حصلت فعلاً، خاصة مع فوضى الكتب والرسائل المُسجَّلة بصوت الضحية.
بطولة نص «دويعر» تجسَّدت إعداداً وإخراجاً بجماليات عالية من قبل «شقير»، حيث هناك فهم مُتماسك ومتوازن لكل عناصر العرض، الممثلون أبدعوا في تجسيد شخصياتهم فـ«كفاح الخوص» ظهر بحُلّة جديدة في تقمُّصٍ لم نألفه فيه مُسبقاً، و«نوار يوسف» تُعزِّز مكانتها كممثلة من الطِّراز الرفيع، و«محمد حمادة» يشتغل على عجينة أدواته بحرفية عالية، وموسيقا «سيمون مريش» زاوجت بين رصانة ألحان «محمد عبد الوهاب» في أغنية «كل ده كان ليه؟» وبين صخب الدرامز، بحيث لم تأتِ الموسيقا لتعزيز ميلودرامية ما، بقدر ما كانت مُناكِفة للحدث ومساهمة في تطوُّره، وكأنها شخصية رابعة من شخصيات العمل، حضورها صوتيّ فقط. ليأتي ديكور «سهى العلي» على بساطته كثيفاً في دلالاته، ويفصل بين فضائين: منزل «حكم» وامتداد الشَّارع بإشارة مروره الحيرانة، تتحكم بها إضاءة نصر سفر وتقنيات أدهم سفر التي آثرت الذوبان في الحالة الدرامية لصاحب المنزل والدُّخلاء، فكانت تنوس بين الموت والحياة الذي كان العرض يتناوب بينهما، ليستقر في برزخ من التفاصيل التي لا تنتصر لأحدهما إلا لتعود فتنقض ذاتها، ضمن متوالية من الأخذ والرَّد انتهت بجثة «حكم» الذي لم يُطلِق بنفسه صافرة النهاية، ولم يستطع أن يُمهل ذاته شوطاً إضافياً، فالغلبة كانت لرصاصة غبية استقرت في منتصف القلب تماماً.

مصدر الخبر :

http://tishreen.news.sy/?p=74815